الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
233
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
وقد تعقبه الأسنوي فقال : لم يستوعب ما ثبت في الأحاديث مع اختلاف كلامه . وقال الأذرعى : لم يسبق إلى ما قاله ، والأظهر أن الأفضل لمن تشهد أن يأتي بأكمل الروايات ، ويقول - كما ثبت - هذا مرة وهذا مرة ، وأما التلفيق فإنه يستلزم إحداث صفة في التشهد لم ترد مجموعة ، وسبقه إلى معنى ذلك ابن القيم . وقد كان - صلى اللّه عليه وسلم - يدعو في الصلاة : « اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال ، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات ، اللهم وأعوذ بك من المأثم والمغرم » . فقال له قائل : ما أكثر ما تستعيذ من المغرم ، فقال : « إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف » « 1 » . رواه البخاري ومسلم من رواية عائشة . قال ابن دقيق العيد : « فتنة المحيا » : ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات وأعظمها - والعياذ باللّه تعالى - أمر الخاتمة عند الموت ، و « فتنة الممات » : يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت ، أضيفت إليه لقربها منه ، ويجوز أن يكون المراد بها : فتنة القبر : ولا يكون مع هذا الوجه متكررا مع قوله : « عذاب القبر » ، لأن العذاب مرتب على الفتنة ، والسبب غير المسبب . وروى الحكيم الترمذي في « نوادر الأصول » عن سفيان الثوري : أن الميت إذا سئل من ربك تراءى له الشيطان فيشير إلى نفسه ، إني أنا ربك ، فلهذا ورد سؤال التثبيت له حين يسأل . وقد استشكل دعاؤه - صلى اللّه عليه وسلم - بما ذكر مع أنه مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر . وأجيب بأجوبة ، منها أن قصد التعليم لأمته ، ومنها : أن المراد السؤال منه لأمته ، فيكون المعنى هنا : أعوذ باللّه لأمتي ، ومنها : سلوك طريق التواضع وإظهار العبودية والتزام خوف اللّه ، وإعظامه والافتقار إليه ، وامتثال أمره في
--> ( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 832 ) في الأذان ، باب : الدعاء قبل السلام ، ومسلم ( 589 ) في المساجد ، باب : ما يستعاذ منه في الصلاة ، من حديث عائشة - رضى اللّه عنها - .